CGTT - الكنفدرالية العامة التونسية للشغل
نقابة المستقبل المواطنة

بلقاسم القناوي

الزعيم بلقاسم القناوي

هو النقابي بلقاسم بن عمر الڨناوي ولد في بلدة المطوية سنة 1907 بمنطقة الأعراض (جهة قابس). ويعد من جيل النقابيين الوطنيين الأوائل الذين نشطوا وتحمّسوا لأفكار محمد علي الحامي في منتصف عشرينات القرن العشرين وعملوا على إحياء جامعة عموم العملة التونسية سنة 1937. لم يحظ بنعمة التحصيل إذ لم يختلف إلاّ إلى كتّاب القرية ولكنّه دأب على تكوين نفسه بنفسه. فهو نموذج من المناضلين النّازحين من الجنوب الشرقي، العصاميّين والمُعتدّين باستقلاليتهم.التحق بتونس العاصمة إثر الحرب العالمية الأولى واستقرّ بين ذويه من أبناء قريته في حيّ “ترنجة” الشعبي حيث كانت ظروف العيش قاسية فاشتغل سائق عربة (كرارطي) كجلّ شبّان المطوية ولم يلبث أن شارك أبناء جهته من أصيلي المطوية (المطاوة) والحامّة (الحوامية) النشاط السياسي الوطني الذي انطلق إثر تأسيس الحزب الحر الدستوري التونسي سنة 1920.

[1907 – 1987م]

فأبناء الحامة والمطوية كانوا يتقاسمون العمل اليومي المتوفّر بالعاصمة باشتغال الأوّلين في الميناء (عملة رصيف)، وكان يزاحمهم (السوافة) أصيلو الجنوب الجزائري (حمالة) وإقبال التالين على نقل البضائع بالعربات. وقد اصطبغ عمل أبناء المطوية بتقاليد موروثة في اقتسام الربح الصافي اليومي أو الأسبوعي بين ثلاثة أطراف: مالك العربة (الكريطة) والعامل المسيّر (الصّانع) بنسبة الثلثين وعلف الدابة بنسبة الثلث.كان المجتمع التونسي عهدئذ يعاني آلام حياة مُرّة إلى أنّ انبعث نور الأمل بظهور الحركة النقابية. هذه الحركة التي قامت بها الجامعة الفرنسية بتونس (اتحاد النقابات) التابع للكنفدرالية العامة للشغل (C.G.T.) فانخرط في صلبها بلقاسم الڨناوي مثل كثير من التونسيين وغير الأوروبيين اعتمادا منهم على ما أعلنته عن نفسها من مبدئها الأممي الذي لا يعرف فرقا بين الأجناس والأديان. ولأن الحقيقة تؤخذ من الفعل لا من القول، فإنّ العملة التونسيين المنخرطين في الاتحاد قد بان لهم جليا أنّهم أخطؤوا حين دفعوا معلوم انخراطهم وشاكوا في الاعتصامات التي يقوم بها عملة أوروبيون وكانت نتيجتها نيل الأوروبيين حقّهم أو ما يقرب منه. وبقي العملة التونسيون بلا مكاسب ولم يَجْنُوا إلا الأحكام الصادرة ضدهم بالطرد من مكان شغلهم فأيقنوا بحقيقة هذا الاتحاد ويئسوا منه حتى إنّ عملة شركة السكك الحديدية من غير الأوروبيين أسّسوا جمعية في فترة الحرب الكبرى سمّوها “الاتفاق الودادي”.

ومن البديهي أنّ يكون لهذا الوضع التأثير الفعلي في تكوين بلقاسم الڨناوي السياسي والاجتماعي عند استقراره بالعاصمة. فقد كان والده يشتغل بالفلاحة في المطوية ويعمل في سوق الحبوب بمدينة تونس ك (كرارطي). وكان لمقالات الطاهر الحداد في الصحف الوطنية مثل “الصواب” و”مرشد الأمة” و”لسان الشعب” وقع في أوساط الفئات الشعبية بالعاصمة خصوصا أنّ صحيفة مثل “لسان الشعب” التي أسّسها البشير بن حسونة الخنقي سنة 1920 كانت تخاطب جمهور القراء بما يفهمون. ومن ثمّ ليس غريبا أنّ يكون للفئات الشعبية النازحة من الجنوب الشرقي والمنخرطة في صفوف الحزب الحر الدستوري التونسي أمثال الطاهر الحداد وبلقاسم الڨناوي اهتمام بالمسألة الاجتماعية ما فتئ ينمو مع تردّي الأوضاع الاقتصادية إثر الحرب العالمية الأولى وأنّ تتولّد عنه بوادر الاختلاف بين القواعد الحضرية الشعبية للحزب الدستوري وبعض القادة الأعضاء في اللجنة التنفيذية أمثال أحمد الصافي وصالح فرحات. وتابع بلقاسم الڨناوي النشاط المكثّف الذي قام به أبناء المطوية سنتي 1922 و1924 وتصعيدهم للنضال الوطني ضدّ السياسة الاستعمارية وما لحقهم من قمع واضطهاد إذ ألقي القبض على هيئة الشعبة الدستورية بالمطوية إثر مظاهرة 27 نوفمبر 1924 وحوكموا بسوسة يوم 5 فيفري 1925 وتراوحت الأحكام بين 6 و8 أشهر سجنا وغرامة مالية بين 1000 و5000 فرنك للفرد الواحد. وفي هذا السياق، شكّلت سنة 1924 منعرجا حاسما في مسيرة بلقاسم الڨناوي الذي تابع عن كثب مبادرات محمد علي الحامي في الحقل الاجتماعي الرامية إلى تأسيس شركات تعاونية وما آلت إليه في نهاية المطاف من بعث جمعية التعاون الاقتصادي يوم 29 جوان 1924. لقد كان رائد الكفاح الاجتماعي الوطني محمد علي الحامي يتردّد على نهج ترنجة ويتّصل بأبناء المطوية في ساحة القلاّلين. وكان أوّل لقاء له ببلقاسم الڨناوي ضمن مجموعة هبّت إلى مساندة المشروع الرامي إلى تكوين شركة تعاونية نذكر منهم محمد الصيد بن إبراهيم والتهامي بن مبروك بن جراد ومحمد الغنوشي. وفي تلك الظروف أعلن عملة الرصيف بالعاصمة في يوم 13 أوت 1924 الاعتصام الذي أدّت تطوّراته إلى المؤتمر التأسيسي لجامعة عموم العملة التونسية (C.G.T.T.) يوم الأحد 18 جانفي 1925.

وهبّ بلقاسم الڨناوي بتكليف من اللجنة التنفيذية للحزب الحر الدستوري يجمع الأموال لاعانة المضربين وذلك ضمن مجموعة من المناضلين. وواكب تأسيس أوّل نقابة وطنية مستقلّة: “نقابة عمّال الميناء”. لكنّ تخاذل اللجنة التنفيذية للحزب الحر الدستوري من جهة ومعارضة الاشتراكيين وحزب المعمّرين من جهة أخرى حالا دون مواصلة نشاط الجامعة العمّالية. فألقت السلطة الاستعمارية القبض على محمد علي والمختار العياري وأودعا السجن المدني مع فينيدوري Finidori ممثل الحزب الشيوعي في تونس بتهمة التآمر على أمن الدولة. وواصل بلقاسم الڨناوي نضاله الوطني إثر حلّ جامعة عموم العملة التونسية. فأسهم في إعداد مظاهرة في ليلة المولد النبوي الشريف نظّمتها اللّجنة التنفيذية للحزب الدستوري يوم 29 سبتمبر 1925، وقد انطلقت من نهج ترنجة من أمام نادي الشعبة الدستورية، كما أعدّ المظاهرة الضخمة للاحتجاج على تركيز تمثال الكردينال لافيجري بباب البحر، وقد شارك فيها خاصة طلبة جامع الزيتونة وذلك يوم 25 نوفمبر 1925. وفي سنة 1927، التحق الڨناوي بالخدمة العسكرية ليقضي بها ثلاث سنوات تزامنت مع الركود السياسي السائد بالبلاد آنذاك. واستأنف نشاطه النقابي والسياسي في بداية 1932، فكوّن نقابة (الكرارطية) التي كانت تضمّ في آن واحد الأعراف والصنّاع، مستغلاّ الأمر العليّ المؤرخ في 16 نوفمبر 1932 والقاضي بالسّماح بممارسة الحق النقابي (الرائد الرسمي 19 نوفمبر 1932).

وفي هذا الإطار، تمكّن علي شراد من إحياء نقابة عملة الرصيف (1933). وتفاعل بلقاسم الڨناوي مع جماعة “العمل التونسي” فانضمّ إلى نشاط هيئة المنشقين عن اللجنة التنفيذية للحزب الحر الدستوري (الحبيب بورقيبة والطاهر صفر ومحمود الماطري والبحري قيڨة) وشارك في أشغال مؤتمر قصر هلال يوم 2 مارس 1934 بصفة أمين مال لشعبة ترنجة الدستورية. وبرز نشاط الڨناوي في مجال الدعاية للحزب الحر الدستوري التونسي الجديد في ما أظهره من جرأة وقدرة على مخاطبة الجماهير وتعبئتهم ضدّ السياسة الاستعمارية القمعية إثر إبعاد أعضاء الديوان السياسي الأوّل والثاني إلى أقصى الجنوب التونسي في شهر سبتمبر 1934, فقد كان الڨناوي العنصر المحرّك لمظاهرة 28 مارس 1935 بالعاصمة فأدى ذلك إلى اعتقاله وإلحاقه برفاقه المبعدين في محتشد برج البوف. فقضّى سنة كاملة بالمنفى من أفريل 1935 إلى أفريل 1936.

بلقاسم القناوي أثناء تجمع نقابي

وبعد الافراج عن المبعدين، تضاعف نشاط بلقاسم الڨناوي على الصعيدين السياسي والنقابي. وكانت الظروف العامة للبلاد من جهة (أزمة الثلاثينات الاقتصادية العالميّة) وانتصار أحزاب اليسار في الانتخابات التشريعية بفرنسا من جهة أخرى (الجبهة الشعبية) تسمح بعودة النشاط النقابي واتساع نطاق الحركة المطلبية الاجتماعية. وقد أبدى الحزب الحر الدستوري الجديد اهتماما بالغا بدور الحركة النقابية في النضال الوطني. فكوّن الڨناوي نقابة خاصة بصنّاع (الكرارطية) في أواخر 1936 وكان المحرّك الرئيس لاضراب عمّال سوق الحبوب في جوان 1937, ذلك الاضراب الذي لقي التأييد الكامل والمساندة اللامشروطة من الديوان السياسي.

وكان قد تمّ في الأثناء إحياء جامعة عموم العملة التونسية التي التأم مؤتمرها التأسيسي يوم 27 أفريل 1937. وانتخب المؤتمرون هيئة وقتية تتكون من بلقاسم الڨناوي (كاتب عام) وعلي القروي (كاتب عام مساعد) ومحمد مقطوف (أمين مال) والصادق التكالي (أمين مال مساعد) والطاهر بن سالم (مراقب عام) ومحمد الغنوشي (مراقب عام مساعد) ومحمد مرزوقي بن عمر، والتهامي بن صالح صراي، والتهامي بن جراد، ومحمد بن سالم، وإبراهيم بن محمد الصغير، وبنور بن علي بنور (أعضاء). وسرعان ما اعترضت جامعة عموم العملة التونسية صعوبات جمّة أبرزها كيفيّة تمويل نشاطها وعدم انسجام بلقاسم الڨناوي مع إستراتيجية الديوان السياسي للحزب الحر الدستوري الجديد الذي سحب ثقته من حكومة الجبهة الشعبية بفرنسا وبدأ يستعدّ لتصعيد النّضال ضدّ الادارة الاستعمارية. هذا بالاضافة إلى انعكاسات ما حقّقته الكنفدراليّة العامّة للشغل من انتصار للطبقة الشغيلة التي استرجعت وحدة صفوفها إثر مؤتمر “تولوز” Toulouse (فيفري 1936) من خلال جمع الشقّ الشيوعي المنشق مع بقية الشغالين. فقد بلغ عدد المنخرطين في صلب اتحاد النقابات بتونس التابع للكنفدرالية العامة للشغل قرابة 40.000 فرد منهم 30.000 عامل تونسي.

وكان لمطلب تمتيع الشغالين التونسيين بالتحسينات التي وردت في نصّ العقود المشتركة المبرمة بين النقابات والأعراف بإشراف حكومة الجبهة الشعبية الدور الفاعل في تطويق نشاط جامعة عموم العملة التونسية. فقد تمّ فعلا إبرام أكثر من 100 عقد مشترك نصّت على زيادة عامة في الأجور وحقّ العملة في العطل والعمل طيلة 8 ساعات. ومن ثمّ يتيسّر فهم الخلاف الذي جدّ بين بلقاسم الڨناوي وقيادة الحزب الدستوري الجديد بشأن إضراب التّضامن مع الجزائر والمغرب الأقصى ليوم 26 نوفمبر 1937. فقد تبرّأ بلقاسم الڨناوي من أيّ علاقة تربط جامعة عموم العملة التونسية بالحزب الدستوري وركّز على أنّ منظّمته هي مهنية قبل كلّ شيء وبعيدة عن السياسة.

وقد أدّى هذا الخلاف إلى إزاحة بلقاسم الڨناوي من قيادة الجامعة العمّالية وتعويضه بالشاب المحامي الهادي نويرة (30 جانفي 1935). وبهذه الصفة تغيّب الڨناوي عن أحداث 9 أفريل 1938. وعلى أيّ حال فقد فضّل بلقاسم الڨناوي إثر خلافه مع قادة الحزب الدستوري الجديد الانخراط من جديد مع مجموعة من النقابات الموالية لموقفه في الكنفدرالية العامة للشغل وعددها 30. واستأنف بلقاسم الڨناوي نشاطه النقابي إثر الحرب العالمية الثانية وانضم إلى نقابات الأعراف وساهم سنة 1946 في بعث لجنة لاغاثة المتضرّرين من الجفاف الذي اجتاح وسط البلاد وتواصل من 1944 إلى 1947، وكذلك في تكوين جامعة (الصنائعية) وصغار التجار بالقطر التونسي التي التأم مؤتمرها التأسيسي يومي 7 و8 مارس 1945 وكانت موالية للحزب الشيوعي.

وفي شهر مارس 1946، انشقّ بلقاسم الڨناوي صحبة مجموعة من الموالين له عن جامعة (الصنائعية) وصغار التجار. وكونت المجموعة هيئة وقتية لتحضير المؤتمر التأسيسي لجامعة نقابة جديدة: “اتحاد نقابات (الصنائعية) وصغار التجار بالقطر التونسي” الذي تأسّس يومي 16 و17 جانفي 1947، وكانت قريبة من الحزب الحر الدستوري الجديد وانتخب بلڨاسم الڨناوي من ضمن أعضاء الهيئة المديرة. ولمّا انضم إلى هذه النقابة كبار التجار وغيّرت اسمها وأصبحت عام 1948 الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة اتسلخ عنها بلقاسم القناوي. وقد ظلّ بلقاسم الڨناوي مهتمّا بمسألة بعث التعاونيات لفائدة صغار التجار، لا سيما منهم أبناء المطوية المستقرّين بتونس العاصمة وكانت آخرها شركة التضامن للصيد البحري بالمطوية التي تأسست في سنة 1960. وتوفّي الڨناوي يوم 28 فيفري 1987 ودفن بمقبرة الزلاج بتونس العاصمة.